نصر حامد أبو زيد
128
الاتجاه العقلي في التفسير
الأوصاف والأسماء فيها في الشاهد ، ثم ننظر ، فما حصلت فيه تلك الفائدة نجري عليه الاسم في الغائب . وهذا في بابه بمنزلة معرفة ما له أصل في الشاهد في أنه يجب أن يعلم أولا ثم يبنى عليه الغائب ، نحو ما بيّناه في الاستدلال بالشاهد على الغائب » 116 ومبدأ قياس الغائب على الشاهد مبدأ أثير لدى المعتزلة ، بل هو حجر الزاوية في فلسفتهم كلها سواء ما اتصل منها بالعدل أم التوحيد . والذي يصحّ أن ننقله من الأسماء من الشاهد إلى الغائب لا يمكن أن يكون الألقاب المحضة ، لأنها كما سبق أن أشرنا تشير ولا تفيد ، والأسماء التي تنقل من الشاهد إلى الغائب يجب أن تفيد إلى جانب وظيفتها الاشارية ، وإلّا لم يكن لاطلاقها على ما غاب عنا أي معنى . وإذا جاز أن نطلق الألقاب المحضة على ما غاب عنا فما حاجتنا إلى أن نعقل معانيها في الشاهد ، وهي أصلا لا تحمل أي معنى ، ولا تؤدي أي وظيفة سوى مجرد الإشارة العارية عن أي معنى ؟ لا يتركنا القاضي عبد الجبار للاستنتاج والتخمين ، فإذا كان اللقب المحض لا يفيد معنى أو صفة ، وإنما يشير إلى مسماه فحسب ، فإن الألقاب المحضة لا يجوز أن تطلق على اللّه ، لأنه ليس مما يشار إليه ليقع به التعريف أولا ، وإنما هو سبحانه مما يجوز عليه الوصف ، فلذلك نطلق عليه الأوصاف التي تفيد فيه معنى أو وصفا دون تلك الألقاب التي لا تفيد شيئا « وأمّا ما لا يفيد التعريف ، ولكنه تعريف من المفيد في إبانة نوع من الأنواع أو جملة أو ضرب من الفعل من نحو قولنا إرادة وقدرة وحياة ، وقولنا انسان ودابة ، وقولنا ضرب وعدد ، فذلك ، وإن كان من باب الألقاب ، فمن حيث حل محل المفيد ، أجري مجراه في حكم الاستعمال . والأسماء المفيدة أو الجارية مجرى المفيد يحسن استعمالها في اللّه تعالى . فأمّا الألقاب المحضة فاستعمالها فيه لا يحسن إلّا أن يرد التقييد به . . . فإذا ثبت أنها لا تفيد فيجب أن لا يحسن استعمالها فيه ، لأنه عبث لا فائدة فيه » 117 ولعل هذا كله يسمح لنا باستنتاج أن الألقاب المحضة التي لا تفيد أي معنى سوى دلالتها الاشارية لا يصح فيها المجاز كما أنها لا يصح أن تطلق على ما غاب عنا من المعاني . وعلى عكس ذلك فأسماء الصفات والمعاني هي التي يصح فيها النقل والمجاز والاستعارة « ولذلك تراهم لا يطلقون المجاز في الأعلام اطلاقهم لفظ النقل فيها » 118 . * * * المجاز إذن لا يكون في الألقاب المحضة - أسماء الأعلام - لأنها تنبئ ولا تعني ، تشير ولا تدل ، وإنما يكون في الصفات وأسماء المعاني . وإذا كانت هذه الأسماء نفسها لا تطلق إلّا بعد أن تعقل المعاني ، فمن الطبيعي أن يكون نقلها